في وقتٍ يراهن فيه المغرب على الشمس والرياح لقيادة انتقاله الطاقي، تكشف دراسة علمية حديثة أن الحلّ الأكثر استقراراً ربما كان مختبئاً طوال الوقت تحت أقدام المغاربة؛ حرارةٌ كامنة في أعماق الأرض قادرة على إنتاج كهرباء لا تنطفئ ليلاً ولا مع سكون الرياح.
فقد خلصت دراسة بحثية حديثة نشرتها مجلة Nature العلمية المرموقة، إلى أن المغرب يمتلك إمكانيات واعدة في مجال الطاقة الحرارية الأرضية، قد تمكّنه من توفير مصدر كهرباء مستقر ومتواصل، وتعزيز طموحه للتحول إلى منصة إقليمية لإنتاج الهيدروجين الأخضر.
الدراسة التي نُشرت بتاريخ 28 أبريل 2026 في مجلة Scientific Reports، أنجزها فريق بحثي مغربي تابع لـجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، ضمن مختبر هندسة النظم الكهربائية والصناعية بالمدرسة العليا لأساتذة التعليم التقني.
وضم الفريق الباحثين مريم بيبيه، وكريم شكري، ومحمد الخايلي، وحسام الدين شاكر، الذين اعتمدوا على نماذج محاكاة احتمالية متقدمة لتحويل المعطيات الجيولوجية غير المؤكدة إلى تقديرات رقمية دقيقة حول حجم الموارد الحرارية الباطنية في المملكة.
ووفق نتائج الدراسة، فإن القدرة الوطنية المحتملة للطاقة الحرارية الأرضية قد تصل إلى نحو 52 ميغاوات في التقديرات المحافظة، بينما ترتفع إلى 87 ميغاوات في السيناريوهات الأكثر تفاؤلاً.
وأشارت الدراسة إلى أن شمال شرق المغرب يُعد المنطقة الأكثر وعداً، بقدرات متوقعة تتراوح بين 30 و61 ميغاوات، تليه الأقاليم الجنوبية التي أظهرت مؤشرات إيجابية رغم الحاجة إلى مزيد من عمليات الاستكشاف والتنقيب.
كما قد تتيح هذه الموارد إنتاج ما بين 410 و540 جيغاوات/ساعة من الكهرباء سنوياً، وهي طاقة توصف بـ”القاعدية” أو الثابتة، لأنها تعمل على مدار الساعة دون التأثر بالتقلبات المناخية التي تواجه الطاقة الشمسية أو الريحية.
وترى الدراسة أن هذه الخاصية تمنح الطاقة الحرارية الأرضية قيمة استراتيجية خاصة، إذ يمكنها دعم استقرار الشبكة الكهربائية الوطنية وتقليل الاعتماد على حلول التخزين المكلفة، فضلاً عن توفير إمدادات مستقرة للصناعات الكبرى.
وفي سياق طموحات المغرب لتطوير قطاع الهيدروجين الأخضر، قدّرت الدراسة أن الطاقة الحرارية الأرضية قادرة مبدئياً على دعم إنتاج نحو 7.4 كيلوطن من الهيدروجين الأخضر سنوياً، بفضل قدرتها على تشغيل أجهزة التحليل الكهربائي بشكل متواصل وفعّال.
ويأتي هذا البحث في وقت يسعى فيه المغرب إلى رفع مساهمة الطاقات المتجددة إلى أكثر من 52% من المزيج الكهربائي الوطني بحلول عام 2030، ضمن استراتيجية تستهدف تعزيز الأمن الطاقي وتقليص الانبعاثات الكربونية.
وختم الباحثون دراستهم بالتأكيد على أن الانتقال من مرحلة التقديرات العلمية إلى الاستثمار الفعلي يمرّ عبر تكثيف عمليات التنقيب الجيولوجي، خصوصاً لتحديد درجات حرارة الخزانات الباطنية وأحجامها بدقة أكبر، بما يسمح ببناء مشاريع قابلة للتنفيذ الاقتصادي والصناعي.





