تحولت شحنة بنزين مغربية إلى روسيا إلى محور خلاف تجاري، بعدما بقيت نحو 30 ألف طن من الوقود عالقة في منطقة مورمانسك وسط تباين حاد حول سعر بيعها في السوق الروسية. وتكشف القضية، في خلفيتها، عن مفارقة لافتة: دولة تعد من كبار منتجي النفط عالمياً تجد نفسها مضطرة إلى استيراد البنزين، بعدما أضعفت الهجمات التي طالت مصافيها قدرتها على تحويل الخام إلى وقود.
لا تزال شحنة من نحو 30 ألف طن من بنزين AI-92 المغربي تواجه صعوبات في دخول السوق الروسية، بعد نقلها من ميناء طنجة إلى منطقة مورمانسك شمال غرب روسيا، وفق التقارير المتداولة حول الصفقة.
وتعد هذه الشحنة، بحسب مصادر في القطاع نقلت عنها رويترز، أول واردات روسية من هذا النوع من البنزين من المغرب، في خطوة تعكس حجم الضغوط التي باتت تواجه سوق الوقود الروسية. وكانت ناقلة ترفع علم بنما قد حملت الشحنة من طنجة، فيما تولت شركة «لوك أويل» عملية الشحن. (Caspian Post)
لكن وصول البنزين إلى روسيا لم يكن كافياً لإيصاله إلى المستهلكين، إذ دخلت الصفقة في خلاف حول السعر بين الأطراف التجارية والجهات المنظمة للسوق.
خلاف على السعر يؤجل دخول الشحنة إلى السوق
بحسب المعطيات الواردة عن مصادر في قطاع الصناعة، تدور الخلافات حول السعر الذي ينبغي أن يباع به البنزين بعد وصوله إلى روسيا.
فالشركات المستوردة ترى أن تكاليف النقل والشحن والخدمات اللوجستية تبرر سعراً أعلى، بينما تسعى الجهات التنظيمية إلى إبقاء السعر قريباً من مستويات السوق المحلية.
وتشير المعطيات إلى أن عروض بيع بنزين AI-92 بدأت عند نحو 130 ألف روبل للطن قبل أن تتراجع إلى حوالي 110 آلاف روبل، في حين كان السعر المحلي في منتصف غشت في حدود 77.6 ألف روبل للطن في بعض مؤشرات السوق.
ويعني ذلك أن الفارق السعري لا يرتبط فقط بسعر البنزين نفسه، وإنما يعكس أيضاً تكلفة إيصال منتج مستورد إلى سوق تعاني أصلاً من ضغوط في الإمدادات.
وتؤكد مؤشرات أسعار التجزئة في منطقة مورمانسك أن سعر بنزين AI-92 كان في حدود 68.7 روبل للتر مطلع غشت، ما يوضح حجم الفجوة بين تكلفة المنتج المستورد ومستويات الأسعار المحلية. (Cbonds)
لماذا تستورد روسيا البنزين؟
المفارقة الأساسية في هذه القصة أن روسيا من أكبر منتجي النفط في العالم، ومع ذلك تجد نفسها مضطرة إلى استيراد البنزين.
والسبب لا يكمن في نقص الخام بقدر ما يرتبط بقدرة المصافي على تكريره وتحويله إلى منتجات نفطية جاهزة للاستهلاك.
فالهجمات المتكررة التي استهدفت خلال الأشهر الماضية عدداً من المصافي والمنشآت النفطية الروسية أدت إلى تعطيل جزء مهم من قدرات التكرير، ما انعكس على إمدادات البنزين والديزل في مناطق مختلفة.
وبذلك أصبحت المعادلة الروسية أكثر تعقيداً: النفط الخام موجود، لكن القدرة على تحويله إلى وقود أصبحت تحت ضغط متزايد.
الواردات تتحول إلى أداة لسد الفجوة
لمواجهة النقص، اتجهت موسكو إلى تنويع مصادر وارداتها من الوقود، فاستقبلت شحنات من دول عدة، من بينها الهند وكازاخستان، قبل أن يظهر المغرب على قائمة موردي البنزين إلى السوق الروسية.
وتشير تقارير القطاع إلى أن روسيا لجأت في الوقت نفسه إلى تشديد القيود على صادرات البنزين وعدد من المنتجات النفطية، بهدف إعطاء الأولوية للسوق المحلية.
وتكشف بيانات حركة المنتجات النفطية عن حجم الضغوط. فقد تراجعت صادرات روسيا من المنتجات النفطية المكررة عبر البحر إلى نحو 1.18 مليون برميل يومياً في يوليوز، مقابل 1.51 مليون برميل يومياً في يونيو، وهو أدنى مستوى منذ بدء السلسلة الإحصائية عام 2016.
في المقابل، بلغت صادرات النفط الخام الروسي عبر البحر نحو 4.321 ملايين برميل يومياً في يوليوز.
هذه المفارقة تعطي صورة أوضح عن المشكلة: روسيا لا تعاني بالضرورة من ندرة النفط، وإنما من اختناق في مرحلة التكرير.

أزمة التكرير تضغط على السوق الروسية
انعكست هذه التطورات على السوق الداخلية، خصوصاً في مناطق شمال وغرب روسيا، حيث واجهت بعض محطات الوقود قيوداً على الكميات المباعة.
وتزداد حساسية الوضع خلال فترات ارتفاع الطلب، الأمر الذي يدفع السلطات إلى استخدام أدوات متعددة للحفاظ على استقرار الإمدادات، من بينها الحد من الصادرات، وزيادة الواردات، وإعادة توجيه الإنتاج المتاح إلى المناطق الأكثر حاجة.
وفي هذا السياق، اكتسبت محطة كولا في منطقة مورمانسك أهمية إضافية، مع إدراج أدوات تداول جديدة لبنزين AI-92 مرتبطة بالتسليم منها، رغم أن التداول بهذه الأدوات لم يبدأ بعد وفق المعطيات الواردة في التقرير.
المغرب يدخل سوقاً غير معتادة
وتحمل الصفقة أيضاً دلالة بالنسبة إلى المغرب، الذي ظهر في السنوات الأخيرة كلاعب متزايد الأهمية في تجارة المنتجات النفطية المكررة، مستفيداً من موقعه الجغرافي وبنيته اللوجستية وقدرته على التعامل مع الأسواق الدولية.
غير أن أهمية الشحنة المغربية لا تكمن فقط في حجمها، بل في وجهتها غير المعتادة: روسيا، التي كانت تاريخياً مصدراً رئيسياً للمنتجات النفطية وليست سوقاً تعتمد على استيراد البنزين.
وتُظهر هذه الصفقة كيف يمكن للاضطرابات الجيوسياسية وأضرار البنية التحتية للطاقة أن تعيد رسم اتجاهات تجارة الوقود بسرعة، بحيث يتحول منتج كان يصدر من روسيا إلى منتج تستورده روسيا نفسها.
معادلة الطاقة تتغير
تكشف قصة البنزين المغربي العالق في مورمانسك عن تحول أعمق من مجرد خلاف تجاري حول سعر شحنة.
ففي سوق الطاقة، لا يكفي امتلاك النفط الخام لضمان توفر الوقود. القدرة على التكرير، وسلامة المصافي، وكفاءة النقل، وتكلفة اللوجستيات، كلها أصبحت عناصر حاسمة في أمن الطاقة.
ومن هذه الزاوية، تبدو الشحنة المغربية مؤشراً صغيراً على أزمة أكبر تواجه قطاع الوقود الروسي: وفرة الخام في جهة، وضغط متزايد على القدرة الإنتاجية للمصافي في جهة أخرى.
أما مصير الشحنة نفسها، فيبقى مرتبطاً بقدرة الأطراف المعنية على تجاوز الخلاف السعري، في وقت تبحث فيه موسكو عن كل مصدر ممكن لتأمين احتياجات سوقها المحلية.





