أظهر استطلاع حديث أجرته مؤسسة كونراد أديناور أن مواقف المغاربة تجاه القوى الدولية والإقليمية، وكذلك تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل والتطبيع، تبدو أكثر تعقيداً من أن تُفسَّر فقط بتداعيات الحرب في غزة. فرغم استمرار الرفض الواسع للتطبيع مع إسرائيل، واحتفاظ القضية الفلسطينية بحضورها في الرأي العام، حافظت الولايات المتحدة على صورة إيجابية لدى أغلبية المغاربة، بل سجلت أعلى مستوى تأييد لها بين الدول العربية السبع التي شملها الاستطلاع.
وشمل الاستطلاع، الذي أُجري بين 8 ماي و3 يوليوز 2026، المغرب وتونس ومصر والأردن ولبنان وسوريا وفلسطين، بمشاركة 8475 شخصاً، بمتوسط يقارب 1200 مشارك في كل دولة، واستُطلعت آراؤهم هاتفياً بشأن القضايا السياسية والاقتصادية والإقليمية والدولية.
الولايات المتحدة.. صورة إيجابية رغم الحرب
تحظى الولايات المتحدة بصورة إيجابية لدى 64% من المغاربة، بزيادة قدرها 15 نقطة مئوية مقارنة بنتائج عام 2020. وتعد هذه النسبة الأعلى بين الدول العربية السبع التي شملها الاستطلاع، حيث بقيت النظرة الإيجابية إلى واشنطن دون 50% في معظم الدول الأخرى.
وتزداد إيجابية الصورة لدى الشباب بشكل لافت؛ إذ تبلغ 74% لدى الفئة العمرية بين 18 و29 سنة، مقابل 60% لدى من تبلغ أعمارهم 30 سنة فأكثر.
ويربط التقرير هذا التحسن، من بين عوامل أخرى، بالاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على الصحراء المغربية.
لكن الصورة الإيجابية للولايات المتحدة لا تعني بالضرورة اعتبارها القوة الخارجية الأكثر تأثيراً في المغرب. فقد اختار 15% الولايات المتحدة باعتبارها القوة الخارجية الأكثر تأثيراً في المملكة، وهي النسبة نفسها التي حصلت عليها فرنسا، مقابل 8% للاتحاد الأوروبي، فيما لم يحدد 20% إجابة.
في المقابل، تحظى الصين بصورة إيجابية لدى 72% من المغاربة، لكنها لا تتصدر قائمة القوى التي يُنظر إليها باعتبارها الأكثر تأثيراً في المملكة.
كما حصلت ألمانيا على 68% من التقييمات الإيجابية، وفرنسا على 63%، وروسيا على 61%، فيما بلغت النسبة الخاصة بالاتحاد الأوروبي 68%.
أوروبا.. شعبية لا تعني الثقة في الدوافع
تكشف نتائج الاستطلاع مفارقة أخرى في نظرة المغاربة إلى أوروبا: فالصورة العامة لعدد من القوى الأوروبية إيجابية، لكن تقييم سياساتها الإقليمية يقوم بدرجة كبيرة على منطق المصالح.
فبالنسبة إلى ألمانيا، اعتبر 24% من المستطلعين أن المصالح الاقتصادية هي المحرك الأساسي لسياستها تجاه المنطقة، مقابل 13% للمصالح السياسية و10% للاعتبارات الإنسانية.
أما فرنسا، فقد رأى 30% من المغاربة أن مصالحها الاقتصادية تمثل العامل الرئيسي المحدد لسياستها الإقليمية.
ويشير التقرير بذلك إلى أن الصورة الإيجابية لبعض الدول الأوروبية لا تعني بالضرورة اعتقاد المغاربة بأن سياساتها الخارجية مدفوعة أساساً بالاعتبارات الإنسانية، بل إن المصالح الوطنية والاقتصادية تبدو حاضرة بقوة في تفسير تلك السياسات.
القوى الإقليمية تحظى بصورة إيجابية
على المستوى الإقليمي، تظهر نتائج الاستطلاع ميلاً واضحاً نحو تقييم إيجابي لعدد من القوى العربية والإقليمية.
فقد بلغت النظرة الإيجابية إلى السعودية 81%، والإمارات 79%، وقطر 76%، وتركيا 73%.
في المقابل، لم تتجاوز النظرة الإيجابية إلى إيران 34%، بما يعكس مسافة واضحة بين المغاربة وطهران، رغم أن مواقفهم من بعض الملفات الإقليمية قد تتقاطع أحياناً مع الموقف الإيراني.
إسرائيل.. التهديد الأول ولكن ليس بالنسبة إلى أغلبية المغاربة
في سؤال يتعلق بالدولة التي تمثل أكبر تهديد لأمن المنطقة، كانت إسرائيل الإجابة الأكثر شيوعاً في معظم الدول التي شملها الاستطلاع.
لكن المغرب يقدم حالة مختلفة نسبياً. فقد اعتبر 24% من المغاربة إسرائيل أكبر تهديد للأمن الإقليمي، بينما لم يحدد 53% أي تهديد.
وقال 16% إن إيران تمثل مصدر التهديد الأكبر، مقابل 4% للولايات المتحدة.
ويرى التقرير أن ارتفاع نسبة الذين لم يحددوا تهديداً في المغرب قد يعكس تردداً أو عدم يقين تجاه سؤال شديد الحساسية، كما يؤكد اختلاف الرأي العام العربي من دولة إلى أخرى في تقييم مصادر الخطر الإقليمي.
التطبيع.. تأييد محدود
ورغم الصورة الإيجابية نسبياً تجاه الولايات المتحدة، لا ينعكس الأمر على الموقف من التطبيع مع إسرائيل.
فقد بلغت نسبة تأييد اتفاقيات أبراهام والتطبيع مع إسرائيل 22% فقط في المغرب، ما يؤكد محدودية القاعدة المؤيدة لمزيد من الانفتاح على إسرائيل.
وفي المقابل، رأى 21% من المغاربة أن مزيداً من التطبيع مع إسرائيل سيزيد مخاطر الصراع الإقليمي، بينما اعتبر 24% أنه لن تكون له آثار، وامتنع 29% عن الإجابة.
أما بشأن تأثير اتفاقيات أبراهام على القضية الفلسطينية، فقد اعتبر 22% أن تأثيرها كان سلبياً، في حين لم يجب 38%، وهي نسبة مرتفعة دفعت التقرير إلى التحذير من قراءة هذه النتائج بمعزل عن حساسية الموضوع.
الشباب أكثر تحفظاً تجاه حل الدولتين
وفي ما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أيد 47% من المغاربة حل الدولتين.
لكن النتيجة الأكثر لفتاً للانتباه تتعلق بالفوارق بين الأجيال، إذ تقل نسبة تأييد حل الدولتين لدى الشباب بـ16 نقطة مئوية مقارنة بالفئات العمرية الأكبر.
ويعتبر التقرير أن هذا التباين يستحق اهتماماً خاصاً، خصوصاً في ظل تأثير الحرب في غزة على تشكيل المواقف السياسية لدى الأجيال الشابة.
إيران.. تعاطف مع بعض المواقف لا يعني تأييداً لطهران
تكشف نتائج الاستطلاع أيضاً عن موقف مغربي مركب من المواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
فقد رأى 31% من المغاربة أن إيران كانت محقة في مهاجمة إسرائيل، مقابل 18% فقط اعتبروا أن إسرائيل والولايات المتحدة كانتا محقتين في مهاجمة إيران.
لكن هذا التعاطف النسبي مع بعض المواقف الإيرانية لا يتحول إلى تأييد عام لطهران؛ إذ لم يؤيد سوى 14% الهجمات الإيرانية على الدول العربية، بينما أعرب 42% عن قلقهم من البرنامج النووي الإيراني.
ويخلص التقرير إلى أن الموقف المغربي من إيران يبدو سياقياً أكثر منه تأييداً لإيران كقوة إقليمية؛ فقد يتعاطف جزء من الرأي العام مع موقف إيراني تجاه إسرائيل، دون أن يعني ذلك قبولاً واسعاً بسياسة طهران الإقليمية.
المغرب.. مواقف لا تسير وفق اتجاه عربي واحد
تبرز خصوصية الحالة المغربية في كون بعض اتجاهات الرأي العام لا تتطابق مع الاتجاه السائد في عدد من الدول العربية المشمولة بالدراسة.
ففي الوقت الذي تتصدر فيه إسرائيل قائمة مصادر التهديد في معظم الدول، لا تتجاوز نسبة من يعتبرونها التهديد الأكبر في المغرب 24%، مقابل نسبة مرتفعة من الذين لم يحددوا أي تهديد.
وفي المقابل، يسجل المغرب أعلى مستوى من التأييد للولايات المتحدة بين الدول السبع، إلى جانب نظرة إيجابية نسبياً إلى روسيا وعدد من القوى الأوروبية والإقليمية.
وتشير هذه النتائج إلى أن مواقف المغاربة تجاه القوى الدولية لا تتشكل وفق ثنائية بسيطة من التأييد والرفض، وإنما تتداخل فيها المصالح الوطنية، والعلاقات الدولية للمغرب، والتطورات الإقليمية، والقضايا الأمنية والاقتصادية.
كما تكشف النتائج عن فصل نسبي بين تقييم دولة ما بصورة إيجابية وبين اعتبارها قوة مؤثرة؛ فقد تكون الدولة محبوبة لدى الرأي العام، من دون أن يُنظر إليها باعتبارها صاحبة التأثير الأكبر في التطورات السياسية والأمنية.
وتبرز هذه المفارقة خصوصاً في حالة أوروبا، التي تتمتع دولها بصورة إيجابية نسبياً، بينما ينظر المغاربة إلى سياساتها الخارجية من زاوية المصالح الوطنية بدرجة كبيرة.
خلاصة: غزة أثرت في المواقف.. لكنها لم تُعد تشكيلها بالكامل
تكشف نتائج الاستطلاع أن الحرب في غزة لم تؤد، وفق المعطيات الواردة فيه، إلى انقلاب شامل في مواقف المغاربة من الولايات المتحدة أو القوى الدولية. فقد حافظت واشنطن على صورة إيجابية لدى أغلبية واضحة، بل سجلت أعلى نسبة تأييد لها بين الدول العربية السبع.
وفي المقابل، ظل التأييد للتطبيع مع إسرائيل محدوداً، واستمر حضور القضية الفلسطينية في تشكيل المواقف من إسرائيل والحرب الإقليمية، بينما أظهر الشباب تحفظاً أكبر تجاه حل الدولتين.
وبذلك تبدو الصورة أكثر تركيباً: المغربي قد يفصل بين علاقات بلاده الاستراتيجية مع قوة دولية، وبين موقفه من سياساتها في المنطقة، كما قد يرفض التطبيع مع إسرائيل دون أن يترجم ذلك بالضرورة إلى رفض شامل للولايات المتحدة.
وهذه التركيبة تحديداً تجعل قراءة الرأي العام المغربي من خلال مواقف ثنائية بسيطة أمراً غير كافٍ لفهم اتجاهاته تجاه التحولات الجيوسياسية الراهنة.





