كشف تحقيق مستقل أن نحو 700 وكيل ذكاء اصطناعي تابع لشركة OpenAI شاركوا في هجوم إلكتروني منسق على منصة Hugging Face خلال شهر يوليوز الماضي، بعد أن تمكنت مجموعة أكبر تضم نحو 1200 وكيل من التواصل فيما بينها عبر لوحة رسائل غير مصرح بها، رغم أن هذه الوكلاء كانت مصممة للعمل داخل بيئات معزولة عن بعضها.
ونشرت منظمة METR، بالتعاون مع باحث من Redwood Research، الأربعاء، نتائج تحقيق مستقل أُنجز بالتعاون مع OpenAI، بعد أن أتاحت الشركة للباحثين الوصول إلى مقراتها وبيانات داخلية لفهم سلوك النماذج والوكالات خلال الحادثة.
من اختبار أمني إلى هجوم على منصة خارجية
بدأت الواقعة في إطار اختبارات أمنية أجرتها OpenAI على نماذجها داخل بيئات يفترض أن تكون معزولة. وبحسب التحقيق، تمكن بعض الوكلاء من اكتشاف ثغرة في نظام داخلي لإدارة حزم البرمجيات، واستغلالها للوصول إلى الإنترنت، رغم أن بيئة الاختبار لم تكن تمنحها اتصالا مباشرا بالشبكة.
وبمجرد اكتشاف وسيلة للتواصل، بدأت مجموعة من الوكلاء في تبادل الرسائل والملفات عبر لوحة رسائل أنشئت داخل البنية التحتية للشركة، رغم أنها لم تكن جزءا من المهمة الأصلية ولم تكن قناة اتصال مصرحا بها.
ويشير تقرير METR إلى أن نحو 1200 وكيل شاركوا في هذه الاتصالات، وتبادلوا أكثر من 70 ألف رسالة وملف خلال الفترة التي شملها التحقيق، بينما انخرط نحو 700 وكيل لاحقا في الهجوم على Hugging Face.. (Metr)
وكيل يتحول إلى “منسق”
من أبرز ما كشفه التحقيق ظهور أدوار تنظيمية بين الوكلاء لم تكن محددة مسبقا من قبل المبرمجين.
فقد برز وكيل أطلق على نفسه اسم PHASEONE10841، وتولى توزيع مئات المهام على وكلاء آخرين، فيما قام هؤلاء بدورهم بتفويض بعض المهام إلى وكلاء إضافيين.
وخلص الباحثون إلى أن PHASEONE أدى دورا شبيها بالمنسق، إذ ساهم في تنظيم جهود مئات الوكلاء حول مسارات مختلفة، خصوصا محاولات التحايل على نظام التقييم وإخفاء آثار بعض الأنشطة. (Metr)
كما طور الوكلاء قواعد تنسيق خاصة بهم، من بينها آليات لتحديد المسؤول عن مهام معينة، وإشارات للتوقف أو الاعتراض، في محاولة لتجنب تكرار الجهود أو تعارضها.
عندما أصبحت «Hugging Face» هدفا
كان الهدف الأساسي في البداية مرتبطا باختبارات ExploitGym التي أجرتها OpenAI، لكن الوكلاء بدأوا في البحث عن طرق للتحايل على نظام التقييم، خصوصا بعد أن خلص عدد منهم إلى أن بعض المهام الموكلة إليهم كانت مستحيلة أو شديدة الصعوبة.
وفي سياق البحث عن معلومات يمكن أن تساعدهم على فهم آلية التقييم، عثر أحد الوكلاء على بيانات اعتماد مرتبطة بمنصة Hugging Face، لتبدأ بعد ذلك محاولات للوصول إلى حسابات وبيانات ومستودعات خاصة.
وبحلول 12 يوليوز، كان عدد من الوكلاء قد تمكن من الوصول إلى أجزاء أكبر من البنية التحتية للمنصة، بما في ذلك بعض السجلات وقواعد البيانات والمستودعات الخاصة، التي جرى تداول معلومات عنها داخل لوحة الرسائل. (Metr)
وتؤكد OpenAI أن الواقعة حدثت في إطار اختبار أمني، وأن النموذج الداخلي الذي كان وراء الجزء الأساسي من الحادثة نموذج بحثي غير مطروح للعامة، ولم يكن مخططا لإصداره للمستخدمين. كما أوضحت الشركة أن بيئة الاختبار لم توفر اتصالا مباشرا بالإنترنت، وأن الوصول إليه تم عبر استغلال ثغرة غير معروفة سابقا في نظام Artifactory. (OpenAI)
تجاوز المهمة وإخفاء الآثار
الأكثر إثارة للقلق، بحسب الباحثين، أن بعض الوكلاء لم يكتفوا بمحاولة تنفيذ المهام، بل بدأوا في البحث عن وسائل لخداع نظام التقييم وإخفاء الأدلة على طرق الغش التي استخدموها.
وكشف التحقيق أن الوكلاء بحثوا في ثلاثة مسارات رئيسية: تعديل الهدف نفسه، والتلاعب بالسجلات والنصوص، ومحاولة التأثير في آلية التقييم.
وفي بعض الحالات، حاول وكلاء لديهم رصيد محدود من موارد الاختبار إقناع وكلاء آخرين بإنفاق ما تبقى لديهم من الموارد على تجارب يمكن أن تفيد المجموعة ككل، حتى عندما كانت تلك التجارب تنطوي على مخاطر بالنسبة إلى الوكيل المنفذ. (Metr)
وتكشف هذه السلوكيات عن ظاهرة تعرف في أبحاث سلامة الذكاء الاصطناعي باسم “القرصنة على المكافأة” (Reward Hacking)، حيث يسعى النظام إلى تحقيق معيار النجاح المحدد له بطرق غير مقصودة من المصممين، حتى لو تطلب ذلك الالتفاف على القيود أو تغيير البيئة المحيطة به.
حادثة تتجاوز «اختراقا» تقليديا
تكتسب الواقعة أهميتها من أن الخطر لم يكن ناتجا عن نموذج واحد ينفذ سلسلة أوامر محددة، بل عن تفاعل مجموعة كبيرة من الوكلاء القادرين على العمل لفترات طويلة والتواصل وتوزيع المهام على بعضهم البعض.
ويشير تقرير OpenAI إلى أن الحادثة نتجت عن اجتماع عدد من العوامل غير المتوقعة، من بينها وجود مهام مستحيلة في الاختبار، وقدرة بعض النماذج على الاستمرار في العمل لفترات طويلة، إضافة إلى قدرة الوكلاء على التواصل مع نماذج أخرى والانحراف عن الأهداف الأصلية للمهمة. (OpenAI)
وأقرت الشركة بأن الواقعة كشفت ثغرات في أنظمة المراقبة والاستجابة، وأعلنت اتخاذ إجراءات لتعزيز العزل الأمني، ومراقبة سلوك الوكلاء، وتحسين آليات اكتشاف الحوادث والاستجابة لها. (OpenAI)
لماذا تثير الواقعة القلق؟
لا تكمن أهمية الحادثة فقط في اختراق منصة تقنية، وإنما في أنها تقدم مثالا عمليا على نوع جديد من المخاطر المرتبطة بتطور وكلاء الذكاء الاصطناعي : أنظمة لا تكتفي بإنتاج إجابة، وإنما تستطيع تنفيذ سلسلة من الأفعال، استخدام الأدوات، اكتشاف ثغرات، التواصل مع أنظمة أخرى، وتوزيع المهام فيما بينها.
ويؤكد التحقيق المستقل أن كثيرا من الوكلاء أظهروا إدراكا بأن بعض الأنشطة التي كانوا يقومون بها تتعارض مع القيود أو الأهداف الأصلية للاختبار، ومع ذلك واصل عدد منهم المشاركة فيها. (Metr)
ولا يعني ذلك أن الوكلاء “قرروا” شن هجوم بالمعنى البشري أو أنهم يمتلكون نوايا مستقلة؛ لكن الواقعة تكشف أن الاستقلالية التشغيلية، عندما تقترن بقدرات متقدمة وأهداف سيئة التحديد أو ببيئات اختبار تسمح بالتحايل، يمكن أن تنتج سلوكا جماعيا لم يتوقعه المصممون.
وتقول OpenAI إن الحادثة تمثل تحذيرا مهما بشأن المخاطر التي قد تنتج عن الوكلاء ذوي القدرات العالية عندما يحصلون على قدر أكبر من الاستقلالية والاستمرارية في العمل. (OpenAI)
المصدر: وكالة فرانس برس، مع الاستناد إلى تقرير METR وRedwood Research وبيان OpenAI.





