بلغت نسبة المشاركة النهائية في الانتخابات التشريعية المغربية ليوم 23 شتنبر 2026 38.02% على الصعيد الوطني، وفق وزارة الداخلية، في وقت كشفت النتائج عن تفاوتات مجالية كبيرة في الإقبال على صناديق الاقتراع، تصدرت فيها الأقاليم الجنوبية، بينما سجلت جهة الدار البيضاء-سطات واحدة من أدنى النسب.
وتعني النسبة المسجلة تراجع المشاركة بـ12.16 نقطة مئوية مقارنة بانتخابات 2021، التي بلغت فيها 50.18%، وبـ4.27 نقاط مقارنة بانتخابات 2016 التي سجلت 42.29%. غير أن المقارنة مع 2021 تحتاج إلى وضعها في سياقها، إذ جرى اقتراع تلك السنة بالتزامن مع الانتخابات الجماعية والجهوية، بينما اقتصر استحقاق 2026 على انتخاب أعضاء مجلس النواب، وهو عامل يمكن أن يكون قد ساهم في اختلاف مستوى التعبئة.
ومع ذلك، فإن نسبة 2026 تظل أعلى بقليل من مستوى 2007، الذي بلغ نحو 37%، فيما تعد الأدنى بين الانتخابات التشريعية التي جرت منذ دستور 2011.
الأقاليم الجنوبية في صدارة المشاركة
تكشف المعطيات المحلية عن استثناء واضح في الأقاليم الجنوبية، حيث تجاوزت نسب المشاركة في عدد من المناطق ضعف المعدل الوطني.
وسجل إقليم طرفاية أعلى نسبة مشاركة وطنياً بـ88.88%، متبوعاً بإقليم العيون بـ79.52%، ثم بوجدور بـ75.36%. كما سجلت جهة الداخلة-وادي الذهب، وفق المعطيات الواردة حول الاقتراع، مستوى مشاركة يفوق المتوسط الوطني بشكل كبير.
وتبرز هذه الأرقام أن انخفاض المشاركة وطنياً لم يكن موزعاً بشكل متجانس على مختلف مناطق المملكة، بل أخفى وراءه فوارق جغرافية حادة بين مناطق ذات تعبئة انتخابية مرتفعة وأخرى، خصوصاً في المجال الحضري، عرفت إقبالاً أضعف.
وتضم الجهات الجنوبية الثلاث 34 مقعداً بمجلس النواب، موزعة بين جهات كلميم-واد نون والعيون-الساقية الحمراء والداخلة-وادي الذهب، وهو تمثيل يجعل المشاركة فيها ذات أهمية انتخابية، رغم محدودية وزنها الديموغرافي مقارنة بالمراكز الحضرية الكبرى.
الدار البيضاء-سطات.. الكثافة السكانية لا تعني بالضرورة مشاركة أعلى
في الجهة المقابلة، سجلت جهة الدار البيضاء-سطات نسبة مشاركة بلغت 34.60%، أي أقل من المعدل الوطني بـ3.42 نقاط مئوية.
وبحسب المعطيات المعلنة على مستوى الجهة، أدلى 1,013,491 ناخباً وناخبة بأصواتهم من أصل 2,929,000 مسجل في اللوائح الانتخابية.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة بالنظر إلى الوزن الديموغرافي والاقتصادي للجهة، التي تضم أكبر تجمع حضري في المملكة. فالانتخابات الحالية تؤكد مرة أخرى أن الحجم السكاني أو الحضري لا يتحول تلقائياً إلى مستوى مرتفع من المشاركة الانتخابية.
بل إن المدن الكبرى تواجه، في عدد من الديمقراطيات، تحدياً خاصاً يتمثل في ضعف الارتباط الانتخابي مقارنة بالمناطق التي تكون فيها الروابط المحلية والاجتماعية أكثر مباشرة. وفي الحالة المغربية، تظل هذه فرضية تحتاج إلى دراسة انتخابية تفصيلية على مستوى الأحياء والدوائر، ولا يمكن إثباتها من نسبة المشاركة وحدها.
من هم المسجلون في اللوائح الانتخابية؟
بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة، بعد مراجعة استثنائية انتهت في 10 يوليوز 2026، 15,801,162 ناخباً وناخبة. وتشكل النساء 46% من الهيئة الناخبة مقابل 54% للرجال، بينما يمثل المسجلون في الوسط الحضري 55% مقابل 45% في الوسط القروي.
وتكشف تركيبة الهيئة الناخبة عن عنصر ديموغرافي لافت: الأشخاص البالغون 60 سنة فما فوق يمثلون أكثر من 29% من المسجلين، بينما تمثل الفئة بين 25 و34 سنة نحو 15%، ولا تتجاوز نسبة المسجلين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة 4%.
وهذه الأرقام لا تعني أن 29% من المصوتين الفعليين كانوا من كبار السن، أو أن الشباب لم يشاركوا إلا بهذه النسبة، لأنها تصف تركيبة المسجلين في اللوائح وليس بيانات المصوتين بحسب العمر. لكنها تكشف مشكلة أسبق من يوم الاقتراع نفسه: الشباب حاضرون بنسبة محدودة داخل الهيئة الناخبة المسجلة أصلاً.
وتكتسب هذه الملاحظة أهمية أكبر إذا علمنا أن عدد المغاربة الذين بلغوا سن التصويت أكبر بكثير من عدد المسجلين في اللوائح، ما يجعل النقاش حول المشاركة يبدأ قبل يوم الاقتراع، من مسألة التسجيل والاندماج في العملية الانتخابية.
لماذا يصعب تفسير تراجع المشاركة بسبب واحد؟
لا تقدم نسبة المشاركة وحدها جواباً عن أسباب العزوف. فالتراجع مقارنة بـ2021 يرتبط جزئياً باختلاف طبيعة الاستحقاقين، لكن النقاش الذي سبق انتخابات 2026 أظهر أيضاً تحديات أوسع تتعلق بعلاقة الشباب بالأحزاب والمؤسسات السياسية.
وأفادت تقارير صحفية دولية قبل الاقتراع بأن البطالة وفرص العمل والخدمات الأساسية كانت من أبرز القضايا التي تشغل الشباب، مع استمرار مظاهر الشك في قدرة الأحزاب على الاستجابة لهذه المطالب. كما أشارت تقارير إلى أن نسبة الشباب المسجلين في الفئة العمرية 18-24 سنة لا تتجاوز 4% من إجمالي المسجلين.
لكن من المهم التمييز بين ضعف التسجيل والعزوف عن التصويت. فالشاب غير المسجل لا يدخل أصلاً في حساب نسبة المشاركة الانتخابية، بينما الشخص المسجل الذي لا يصوت يدخل في خانة عدم المشاركة. وبالتالي فإن الظاهرة تتكون من مستويين مختلفين: محدودية التسجيل لدى بعض الفئات، ثم قرار عدم التصويت لدى جزء من المسجلين.
أكثر من ستة ملايين ناخب
رغم تراجع نسبة المشاركة، فإن الاقتراع عرف مشاركة فعلية تجاوزت ستة ملايين ناخب وناخبة، وهو ما يعني أن النتائج البرلمانية الجديدة تستند إلى كتلة انتخابية كبيرة، لكنها أصغر بوضوح من تلك التي شاركت في انتخابات 2021. وقد بلغ عدد المشاركين في انتخابات 2021 نحو 8.78 ملايين ناخب.
وهنا تكمن إحدى أهم دلالات انتخابات 2026: انخفاض المشاركة لم يمنع حدوث تحول مهم في الخريطة الحزبية. فقد أعادت الأصوات المشاركة ترتيب موازين القوة بين الأحزاب، مع صعود الأصالة والمعاصرة إلى الصدارة وعودة العدالة والتنمية بقوة إلى مجلس النواب.
وبذلك لا ينبغي قراءة نسبة 38.02% باعتبارها مجرد مؤشر على «نجاح» أو «فشل» العملية الانتخابية، بل باعتبارها معطى سياسياً وديموغرافياً يحتاج إلى قراءة مزدوجة: أين شارك المواطنون؟ ومن هم المسجلون أصلاً؟ وما الذي يفسر الفوارق الكبيرة بين المجال الحضري والمجال القروي وبين الجهات؟
فالرقم الوطني يخفي تفاوتاً كبيراً: طرفاية عند 88.88%، والعيون عند 79.52%، مقابل 34.60% في جهة الدار البيضاء-سطات.
وهذه الفوارق تجعل من الصعب اختزال انتخابات 2026 في عبارة واحدة عن «العزوف الانتخابي». الأدق أن المغرب عرف مستويات مشاركة شديدة التفاوت جغرافياً وديموغرافياً، وهو ما يفتح سؤالاً أعمق حول اختلاف علاقة المواطن بالانتخابات بحسب المنطقة والعمر والوسط الاجتماعي.
وفي النهاية، فإن التحدي لا يتعلق فقط برفع الرقم الوطني للمشاركة، وإنما أيضاً بتوسيع قاعدة المسجلين، وتقليص الفجوة بين الأجيال، وفهم أسباب التباين الكبير بين المناطق. فانتخابات 2026 أظهرت أن المشاركة ليست رقماً وطنياً واحداً، بل خريطة متعددة المستويات تكشف الكثير عن علاقة المواطن المغربي بالسياسة والمؤسسات المنتخبة.





